فكرٌ شارد

مُتكئًا على وحدتي شاردًا في لا أحد.

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

لا يأتي إليّ أحدٌ تقريبًا

لا يأتي إليّ أحدٌ تقريبًا. أعيش وحيدًا، لسنواتٍ في نفس المنزل القذر والقبيح في أحد الشوارع الجانبية لمدينتنا. لا يطلُّ القمر على نافذة غرفتي. أنا أيضًا لا أرى أبدًا من هنا لا السماء ولا النجوم، لا أستطيع إلا أن أرى قطعةً من الفناء والجدار المقابل -طويلٌ جدًّا، ربما متضخم جزئيًّا بالنبيذ- للمنزل الثاني. هناك اثنتان من النوافذ. في واحدة -كما استنتجت مع مرور الوقت- يعيش منجد. في الأخرى زوجان شابان مع طفل. من وقتٍ لآخر رأيت الرأس المشرق لهذا الطفل، وأنا لا أعرف حتى اليوم ما إذا كان صبيًّا أم فتاة. ثم علمت أنّ الطفل قد مات. وفقدت الرغبة في رؤية الجدار المقابل؛ عندما أدركت أنني لن أرى هذا الطفل مرةً أخرى. لاحظت كيف أنّ هذا الجدار حقًّا شنيع.
عشت في الطابق الأرضي. وكان نادرًا ما يزورني أحدٌ من الطابق الأول.. عدا واحد من الذين يفعلون تلك الحركات الحسنة للقلب، التي بطياتها حتى لعنات الشياطين تبدو غير ضارةٍ وتفقد لونها، من أولئك الذين يضربوننا بين الحين والآخر في الركبة، ويسأل: “حسنًا، كيف أحببت ذلك؟”
منذ البداية كرهت هذا الرجل وقصصه الخسيسة. بدا لي مقرفًا وغبيًّا في كل شيء. مع بعض الاعتياد اعتقدت أنها عادته، كانت نكاته على الأرجح من أيام(*) فرانسيس جوزيف. لكنه توقّف عن إزعاجي بل واحتاج لي بعدها، لأنني فهمت أنّ هذا الرجل، الذي يعيش في الطابق الأول، هو نفسه الرجل الفقير الوحيد الذي في الطابق الأرضي. أردت أن أُدخل السرور عليه: مع قليلٍ من الجهد تعلّمت بعض النكات وعندما جاء لي قلتها له مرةً أخرى. أتذكّر أنه كان صامتًا ولم يقل أيّ شيءٍ هذا المساء. وتوقّف عن زيارتي. وحقًّا، أنا لا أعرف لماذا.
نَمَت شجرةٌ من الأكاسيا أمام نافذتي. كانت قديمة جدًّا وذبلت: أتذكّر أنّ فرعًا واحدًا ازدهر في الربيع الماضي. كانت المرة الأولى التي رأيت فيها هذا الصبي: كنت جالسًا بالقرب من النافذة ورأيت في إحدى المراحل أن الرأس الأحمر كان يحاول النظر إلى غرفتي. في البداية شعرت بالخوف. لكن بعد ذلك بقليل، فهمت أنه رأس الطفل، وقرّرت الانتظار. شاهدت حبسي أنفاسي. الرجل الفقير، أراد أن ينظر إلى أبعد قليلًا، لكنه لا يستطيع الصعود. فكرت: “أساعده؟ أسأله ماذا يريد؟” لكن بعد فترةٍ شعرت بالخوف: حدّثتني أنّ ذلك سيثبطه ويخيفه.
بعد ظهيرة اليوم التالي، لاحظت مرةً أخرى أنّ صاحب الشعر الأحمر يريد الصعود والنظر في غرفتي. من الواضح أنه كان صغيرًا جدًّا ولم يتمكّن من فعل ما يريد. ثم قرّرت أنا نفسي النظر ورؤيته. نعم، كان في الواقع أحمرَ صغيرًا مضحكًا جدًّا. ووراءه، كان لديه مطوية قوية.. حتى أتذكر ذلك.. فوجئت أنّ مثل هذا الصبي الصغير لديه مثل هذا النطاق الواسع. لقد تجرّأت وناديته:
-أنت. يا صغير!
التفت بعيدًا ولكن ركض. فكرت بحزنٍ أنني أخفته ولا يريد أن أنظر مرةً أخرى. لكن، لا، في المساء، رأيت رأسه الأحمر مرةً أخرى. حتى أعلى قليلًا. ثم فهمت ما جذبه: الصورة على حائطي. لقد كانت بائسة بائسة، تُصوِّر معركةً بحريّة: سفن ذات أشرعة ممزّقة، وأمواج راغية، وناجين، إلخ…
نظر المرء الصغير إلى هذه الصورة من الفناء وشاهد فقط القليل، لذلك كانت أمامه الصواري واللون الحقيقي للسماء، التي لم أندم عليها كثيرًا رغم أن الرسّام غير معروف لي. قررت أن أساعد الصبي وعندما جاء في المساء، فجأةً أخرجت رأسي وصرخت.
– أنت تريد أن ترى صورتي.. أليس كذلك؟
نظر إليّ للحظة ثم ابتلعها بقوة وقال بشجاعة: نعم.
وأعطيته يدي. جلس على حافة النافذة ببراعة القرد: أتذكر بريق البهجة القصير في عينيه. ولكن بعد لحظة لاحظت أنه لم يكن ينظر إلى الصورة بعد الآن: كان ينظر حولها باهتمام في غرفتي. رأيت فرحةً في وجهه للخروج. رأيت أنه كان حزينًا: لقد كان جادًا ومركّزًا الآن، كما لو أنه في لحظات كان يجلس فيها على حافة النافذة، ولديه الكثير من السنوات والقلق. وكان قد ظل صامتًا لفترة طويلة وترك الرأس الأحمر نفسه. ثم قال:
– كل شيء هو ذاته..
“نعم!”  قلت: “هو نفسه في كل مكان”.
-لا شيء مختلف؟  سأل.
“بلى” أجبته.
– ماذا لو كان بعيدًا جدًّا؟ نفس الشيء؟
“نعم. وهناك أيضًا غرف هناك. هناك غرف مثل هذا في جميع أنحاء العالم. العالم هو مجرد العديد من هذه الغرف”.
وقال:
-سأراه مرةً أخرى.
قفز وهرب. في اليوم التالي، عدت إلى المنزل في وقت لاحق. أول شيءٍ رأيته عندما دخلت الغرفة كان كائنًا ملقًى تحت النافذة. التقطته، كان هو كتلك السطور التي أثارت دهشتي. لكن الصبي لم ينظر إليّ بعد الآن.
-
‎نافذة

عن الكاتب

Unknown

التعليقات


زوار الموقع

جميع الحقوق محفوظة

فكرٌ شارد